1758442192910

في عالم يتسارع فيه حضور الذكاء الاصطناعي بكل القطاعات… يظل السؤال الأهم: كيف سيتعامل معه التحكيم الدولي، أحد أكثر مجالات القانون حساسية وتعقيدًا؟ التحكيم لا يقتصر على مجرد إجراءات شكلية أو حسابات رقمية، بل هو فضاء يحتاج إلى توازن دقيق بين التقنية والقانون، بين السرعة والدقة، وبين العدالة والإبداع في صياغة الأحكام.

إحصائية صادرة عن White & Case LLP تكشف بوضوح أن المجتمع القانوني لم يعد ينظر إلى الذكاء الاصطناعي كترف أو فكرة مستقبلية، بل كأداة باتت موجودة على الطاولة. فقد أظهر 77% من المشاركين قبولهم لاستخدامه في حساب التعويضات والفوائد والتكاليف، باعتبارها عمليات رياضية لا تحتمل خلافًا كبيرًا. أما 66% فرأوا أن قيمته الحقيقية قد تظهر في تلخيص المذكرات والأدلة، خاصة مع ضخامة حجم المستندات في النزاعات الدولية. كذلك 60% اعتبروا أنه قادر على المساعدة في صياغة الأوامر الإجرائية والأجزاء غير الجوهرية من الأحكام، أي كل ما هو روتيني ويمكن إنجازه بسرعة أكبر.

لكن عند الاقتراب من قلب العملية التحكيمية، يتراجع الحماس بشكل حاد. فقط 23% وجدوا أنه مناسب لصياغة الأسباب القانونية للأحكام، و31% فقط قبلوا بفكرة اعتماده لتقييم الأدلة والدفوع. هنا يظل الخط الأحمر واضحًا: التحليل القانوني، الاجتهاد القضائي، وصياغة المبررات تبقى مسؤولية إنسانية بامتياز، لا يمكن للتقنية أن تنوب فيها عن الضمير القانوني للمحكم.

المثير للاهتمام أن النظرة المستقبلية تبدو أكثر انفتاحًا. أكثر من نصف المشاركين (52%) يتوقعون أن يزداد اعتماد المحكمين على الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، و48% يعتقدون أنه سيجعل الإجراءات أسرع وأكثر كفاءة، بينما يرى 40% أنه سيخلق أدوارًا جديدة لإدارة أدواته داخل منظومة التحكيم. إلى جانب ذلك، 25% يتوقعون خفض التكاليف بسببه، و24% يتصورون أن دوره سيقلص الحاجة إلى أمناء السر، فيما يرى 19% أنه قد يفتح الباب أمام دخول منافسين جدد إلى السوق، في مقابل 13% يعتقدون أنه سيجعل المنافسة أصعب.

المحصلة أن الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل قاعة التحكيم كعامل مساعد في المهام الحسابية والإجرائية، لكن خطوطًا حمراء ما زالت مرسومة بوضوح: التفكير القانوني العميق وصياغة الأسس الجوهرية للأحكام ستظل، حتى إشعار آخر، اختصاصًا إنسانيًا خالصًا. وربما يكمن التحدي القادم في إيجاد المعادلة التي تسمح للتقنية أن تدعم العدالة دون أن تطغى عليها.

احصائيات

No comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *