في سباق التحول الرقمي، يبدو أن قطاع المحاماة لم يعد استثناءً، تتجه مكاتب المحاماة حول العالم بشكل متسارع نحو تبني أدوات التكنولوجيا القانونية والذكاء الاصطناعي، ليس من باب الرفاهية، بل بدافع الضرورة. فما كان يُعد رفاهية منذ سنوات أصبح اليوم أداة تنافسية لا غنى عنها، فبحلول عام 2024، اعتمد أكثر من 70٪ من المكاتب القانونية حلول الحوسبة السحابية، مقارنة بـ 58% في 2019، وأصبح ربع المحامين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي يوميًا، فيما يتوقع أكثر من ثلثيهم تأثيرًا تحويليًا لهذه الأدوات خلال السنوات الخمس المقبلة.
لم يعد الأمر مقتصرًا على الكفاءة، بل صار مرتبطًا بالاستمرارية. إذ يرى 79٪ من العاملين في المجال القانوني أن الذكاء الاصطناعي سيكون عنصر الحسم بين النجاح والفشل مستقبلًا. أدوات مثل تحليل العقود التلقائي، والبحث المدعوم بالذكاء، والتنبؤ بالمخاطر، باتت تتيح إنجاز المهام بموارد أقل. وتشير الدراسات إلى أن أتمتة العمليات الروتينية توفر حتى 40٪ من وقت المحامي، مما يتيح له التركيز على الجوانب الاستراتيجية بدلًا من المهام التكرارية.
لكن الواقع في العالم العربي لا يزال مزدوجًا. فبينما بدأت بعض المكاتب الكبرى، خاصة المرتبطة بشبكات دولية أو يقودها جيل شاب، في تبني أنظمة تحليل العقود وإدارة القضايا، تواجه مكاتب أصغر بُطئًا في التبني الرقمي، نتيجة لعوامل مثل التكلفة العالية أو ضعف الوعي بالعائد الاستثماري، خصوصًا أن 26٪ فقط من الأقسام القانونية في المنطقة تقيس فعليًا وفورات التكلفة الناتجة عن استخدام التكنولوجيا.
رغم ذلك، تبرز بعض المبادرات العربية الرائدة. ففي السعودية، اعتمد مكتب “خشيم وشركاه” Khoshaim & Associates عام 2022 منصة Luminance لتحليل العقود، مما رفع الكفاءة بنسبة 95٪ في مراجعة 600 وثيقة ضمن صفقة استحواذ. وفي الإمارات، أطلقت وزارة العدل بالتعاون مع مكتب الذكاء الاصطناعي مشروع “المحامي الافتراضي” خلال معرض جيتكس 2024، لتسريع إجراءات التقاضي عبر منصة تفاعلية مدعومة بقاعدة بيانات تشريعية وطنية، على أن تنطلق النسخة التجريبية في 2025 بمزايا تشمل التفاعل الصوتي وتقديم المذكرات إلكترونيًا.
غير أن التحديات لا زالت قائمة، فأبرزها هو غياب الأطر التنظيمية الصريحة في بعض الدول، ما يثير مخاوف بشأن سرية البيانات في ظل تزايد الهجمات السيبرانية، حيث يرى 29٪ من القانونيين عالميًا أن أمان البيانات يشكل تحديًا رئيسيًا في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
واليوم، تقف معظم مكاتب المحاماة أمام مفترق طرق: إما اعتبار التكنولوجيا عبئًا، أو تبنيها كأداة ضرورية لمواكبة التغيرات وتلبية تطلعات العملاء، خصوصًا مع ارتفاع حجم القضايا لدى 79٪ من الأقسام القانونية مقابل 67٪ منها تعمل بعدد ثابت أو أقل من الموظفين.
بين طموح التحول وتحديات التطبيق، يبقى مستقبل التقنية القانونية في منطقتنا مرهونًا بقرارات جريئة، واستثمار واعٍ يعيد رسم خريطة العمل القانوني بكفاءة وعدالة.
احصائيات



No comment