1772708533150

رغم مرور القطاع القانوني بست موجات تكنولوجية كبرى كان من المتوقع أن تؤدي إلى تقليص حجم المهنة، فإن الواقع أظهر أن هذه الموجات التقنية أسهمت في توسيع سوق الخدمات القانونية. وتكشف بيانات American Bar Association عن مفارقة مهمة في تطور المهنة القانونية، إذ لم تؤدِّ التكنولوجيا إلى انكماشها كما كان يُتوقع، بل ساعدت على نموها واتساع نطاق خدماتها.

ارتفع عدد المحامين في الولايات المتحدة من نحو 114 ألف محامٍ عام 1900 إلى ما يقارب 1.37 مليون محامٍ اليوم، ويرجع ذلك إلى أن كل موجة تقنية أدت في الواقع إلى توسيع سوق الخدمات القانونية وزيادة الطلب عليها بدلًا من تقليصها. فعلى سبيل المثال، مع انتشار الآلة الكاتبة بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، كان الاعتقاد أن وظائف النسخ اليدوي ستختفي، لكن العكس حدث؛ إذ ارتفعت وظائف الكتبة والسكرتارية ستة أضعاف بين 1900 و1950، لتنتقل من أقل من 0.5% من إجمالي الوظائف في الولايات المتحدة إلى نحو 3%، نتيجة زيادة حجم الوثائق القانونية المنتجة.

كما شهدت المهنة تحولًا كبيرًا مع ظهور برامج معالجة النصوص في السبعينيات، حيث كان يُعتقد أنها ستقضي على وظائف السكرتارية القانونية، إلا أن عدد المحامين في الولايات المتحدة ارتفع بنسبة 76% خلال عقد واحد فقط، من 326 ألف محامٍ إلى 574 ألفًا وفق بيانات الجمعية الأمريكية للمحامين. ومع تطور أنظمة البحث القانوني الإلكترونية مثل LexisNexis وWestlaw، أصبح البحث الذي كان يستغرق يومًا كاملًا في المكتبات القانونية يُنجز خلال ساعة واحدة، ومع ذلك ارتفع عدد المحامين من نحو 574 ألفًا عام 1980 إلى أكثر من مليون محامٍ بحلول عام 2000، نتيجة اتساع قاعدة العملاء وزيادة حجم العمل القانوني.

وفي مرحلة لاحقة، ومع ظهور برمجيات الاكتشاف الإلكتروني (E-Discovery) في أواخر التسعينيات، توقّع كثيرون أن يؤدي الاعتماد على المراجعة الآلية للمستندات إلى تقليص وظائف المساعدين القانونيين، لكن الواقع أظهر نموًا في هذا المجال؛ إذ تجاوز حجم سوق الاكتشاف الإلكتروني 2 مليار دولار بحلول عام 2021، وظهرت وظائف متخصصة جديدة مثل خبراء الاكتشاف الإلكتروني بمتوسط رواتب يتجاوز 80 ألف دولار سنويًا.

كما ساهمت أدوات أتمتة المستندات القانونية في العقد الأخير في تسريع إعداد العقود والوثائق القياسية، لكنها في الوقت ذاته وسّعت السوق القانوني؛ حيث ارتفع حجم السوق من 713 مليار دولار في 2021 إلى 789 مليار دولار في 2022، بينما ارتفعت استثمارات رأس المال الجريء في شركات التكنولوجيا القانونية من مليار دولار عام 2018 إلى نحو 4 مليارات دولار بحلول 2021. وتشير التوقعات إلى أنه بحلول 2025 قد يشكل غير المحامين نحو نصف العاملين في مكاتب المحاماة.

تشير هذه المؤشرات إلى نمط اقتصادي يتكرر في المهن المختلفة؛ فالتكنولوجيا لا تقلل الوظائف بقدر ما تعيد تشكيلها. فعلى سبيل المثال، رغم انتشار أجهزة الصراف الآلي وارتفاع عددها إلى أكثر من 400 ألف جهاز في الولايات المتحدة بحلول منتصف التسعينيات، تضاعف عدد موظفي البنوك من نحو 300 ألف عام 1970 إلى قرابة 600 ألف عام 2010.

وبالمثل، قد يستبدل الذكاء الاصطناعي بعض المهام الروتينية التي يؤديها المحامون المبتدئون أو المساعدون القانونيون، لكنه في المقابل يفتح المجال لظهور أدوار جديدة مثل مهندسي الأوامر القانونية، ومدققي مخرجات الذكاء الاصطناعي، ومستشاري التكنولوجيا القانونية.

احصائيات 

No comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *