WhatsApp Image 2026 04 21 at 6 19 26 AM

في قلب الطفرة الرقمية التي تعيشها المملكة العربية السعودية، يتشكل اقتصاد جديد، أبطاله شباب لا تتجاوز أعمارهم العشرين أو الثلاثين، وأدواتهم لوحة مفاتيح وسماعة رأس. هذا هو اقتصاد “الكلانات”، الكيانات الهجينة التي لم تعد تقتصر على كونها “فرقاً رياضية” تتنافس في بطولات الألعاب الإلكترونية، بل تحولت إلى استوديوهات إنتاج محتوى رقمي متكاملة، تبني قواعد جماهيرية مليونية على منصات مثل يوتيوب وتويتش.

لقد أدرك الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية بتبصّر أهمية هذا القطاع، فوضع لوائح تنظيمية للنوادي والفرق واللاعبين، وأنشأ لجاناً قضائية مثل لجنة الانضباط ولجنة الاستئناف. هذه الجهود، التي تستند إلى النظام الأساسي للاتحاد، تهدف إلى حوكمة الجانب الرياضي من المعادلة: تسجيل اللاعبين وتنظيم الانتقالات وضبط وتنظيم المنافسات التي تقام تحت مظلته. ولكن!، ماذا عن النصف الآخر من الصورة؟ ماذا عن اقتصاد المحتوى الذي يمثل اليوم الشريان المالي الأكبر لمعظم هذه الكلانات أو الفرق أو الأندية الرقمية؟

هنا تكمن الفجوة الدقيقة والحاسمة. دور الاتحاد، بحكم طبيعته كنظير للاتحادات الرياضية التقليدية، يتركز بشكل أساسي على الفعاليات والبطولات الرسمية. لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية والمخاطر القانونية الكبرى تقع بشكل متزايد في منطقة لا تغطيها هذه المظلة بشكل كامل: صناعة المحتوى الرقمي والمشاركة في بطولات ليست تحت مظلة الإتحاد أو تقام بشكل لا نقول مخالف للوائح الإتحاد ولكن لا سلطة للاتحاد عليها.

– الوجه الآخر للكلان: شركة إعلامية وليست مجرد فريق أو نادٍ رياضي

لفهم التحدي، يجب أن نتجاوز النظرة التقليدية. الكلان اليوم هو كيان برأسين:

1. الرأس الرياضي: يتدرب ويشارك وينافس في بطولات مثل كأس العالم للرياضات الإلكترونية. هذا الجانب منظم نسبيًا عبر لوائح الاتحاد أو الإتحادات القارية أو الإقليمية للبطولات الخارجية أو الغير مقامة داخل المملكة العربية السعودية.

2. الرأس الإعلامي: ينتج محتوى يومي (بث مباشر، فلوقات، مقاطع ترفيهية)، يبني علامة تجارية، ويدير علاقات تجارية مع رعاة لا يهتمون فقط بالفوز بالبطولات، بل بـ “معدل الوصول” (Reach) و”التفاعل” (Engagement) مع الجمهور.

هذا الرأس الإعلامي هو الذي يدرّ الملايين، وهو نفسه مصدر أعقد المشاكل. ولنا في الساحة العالمية أمثلة تحذيرية، أبرزها قضية “Turner ‘Tfue’ Tenney” ضد كلان “FaZe” عام 2019. لم يكن النزاع حول جائزة بطولة، بل حول عقد وصفه Tfue بأنه “قمعي”، حيث ادعى أن الكلان المسمى بـــ FaZe والذي كان الأول عضوًا فيه كان يستحوذ على ما يصل إلى 80% من أرباح محتواه وصفقاته التجارية التي لا ترتبط مباشرة بالبطولات. هذه القضية كشفت عن حقيقة صادمة: العقود المصممة لعالم الرياضات الإلكترونية تفشل فشلاً ذريعاً في تنظيم العلاقة المعقدة بين “المؤثر” والكيان الذي ينتمي إليه فيما يخص أرباح وحقوق المحتوى أو حقوق العلامات التجارية وما يتبعها من مدخولات الدعاية والإعلان والتسويق للغير عبر محتوى المؤثر، والذي قد يكون “المؤثر أو المؤثرين” هم أصحاب الفضل بعد الله لزيادة شهرة هذا الكلان أو الفريق، ولكن لسبب الأسبقية قد يفوته الكثير، كما أن العكس تمامًا صحيح فقد يكون المؤثر لا زال صغيرًا في هذا العالم الرقمي أو مبتدئًا إن صح التعبير ولكن بعد دخوله ومخالطته لمحترفين الرياضات الإلكترونية أو صانعي المحتوى يبرز نجمه وبفضل قاعدة هذا الكلان وجماهيرته الطاغية يكتسح المبتدئ الساحة ويبدأ في جذب الملايين وذلك بسبب ما أكتسبه من الفريق أو الكلان.

سيناريوهات متوقعة في بيئتنا المحلية:

“سيناريو١ “

صانع المحتوى النجم: لاعب سعودي شاب ينضم إلى كلان بعقد “لاعب محترف” أساسي. خلال عام، ينمو حسابه على تويتش ليصبح الأكبر في المنطقة، ويحقق دخلاً شهرياً من الاشتراكات والإعلانات يفوق راتبه من الكلان بعشرة أضعاف. يقرر اللاعب مغادرة الكلان. السؤال: من يملك حقوق القناة والمتابعين؟ هل يحق للكلان المطالبة بنسبة من أرباحه المستقبلية بناءً على أنه “ساهم في صنع اللاعب”؟ اللوائح الرياضية الحالية لا تقدم إجابة واضحة.

“سيناريو٢”

الراعي الذكي”: شركة مشروبات طاقة ترعى كلاناً ليس من أجل الفوز، بل من أجل الوصول إلى جمهوره. العقد يلزم الكلان بتحقيق عدد معين من ساعات البث وإنتاج مقاطع فيديو ترويجية. يفشل الكلان في تحقيق الأهداف. هل لجنة الانضباط في الاتحاد مؤهلة للفصل في نزاع تجاري-تسويقي بحت كهذا؟ الأرجح أن القضية ستذهب للمحاكم التجارية، مما يظهر محدودية المظلة التنظيمية الحالية.

– حدود التنظيم الحالي: ما الذي لا تغطيه اللوائح؟

رغم وجود “لائحة تراخيص الأندية والفرق للرياضات الإلكترونية”و”لائحة الاحتراف” الصادرة عن الاتحاد، إلا أنها مصممة بالدرجة الأولى لمعالجة القضايا الرياضية. على سبيل المثال:

– المادة 4 من لائحة الاحتراف تتحدث عن “عقد الاحتراف” الذي ينظم العلاقة بين النادي واللاعب *كرياضي*. لكنها لا تتطرق بالتفصيل الكافي إلى حقوق الملكية الفكرية للمحتوى الرقمي، أو نسب توزيع الأرباح من منصات البث والإعلانات والرعايات بعد الخروج أو خارج نطاق بطولات الإتحاد، أو حتى الالتزامات كـ”مؤثر”.

– لجان الانضباط والاستئناف معنية بالمخالفات داخل المنافسات (غش، سلوك غير رياضي) أو مخالفة لوائح الاتحاد. اختصاصها قد لا يمتد بشكل طبيعي ليشمل نزاعاً حول حقوق الطبع والنشر على يوتيوب أو خلافاً على بنود عقد رعاية تجاري.

المشكلة أن الكلان، ككيان يمارس نشاطاً تجارياً وإعلامياً، يخضع لأنظمة أخرى متعددة: كنظام الشركات (إذا كان مسجلاً كشركة)، ونظام العمل (فيما يخص عقود الموظفين)، ونظام حماية حقوق المؤلف، ونظام العلامات التجارية. هذا التشتت يخلق حالة من عدم اليقين القانوني.

 

الحل: بناء جسور تنظيمية لسد الفجوة

التحدي ليس في هدم التنظيم الحالي، بل في البناء عليه وتوسيعه ليشمل الاقتصاد الرقمي بكامله.

1. تحديث اللوائح الحالية: يجب على الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية المبادرة بتحديث لوائحه (خاصة لائحة الاحتراف) لتشمل فصولاً مفصلة عن “صناعة المحتوى”. يجب أن تتضمن بنوداً واضحة حول ملكية القنوات، توزيع الأرباح من البث والإعلانات، وحقوق اللاعب بعد انتهاء عقده.

2. إنشاء “مسار اقتصادي” موحد: تعاون استراتيجي بين وزارة الرياضة، وزارة التجارة، الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وهيئة الإعلام المرئي والمسموع لإنشاء مسار تسجيل موحد للكيانات العاملة في اقتصاد الألعاب. هذا يضمن أن الكيان عند تأسيسه يكون متوافقاً مع جميع الأنظمة ذات الصلة، وليس فقط النظام الرياضي.

3. تطوير القضاء الرياضي: تأهيل قضاة ومحكمين في لجان الاتحاد على الجوانب التجارية والإعلامية، أو إنشاء محاكم IPECمتخصصة بالتعاون مع وزارة العدل كالتي في ولاية كاليفورنيا والت حكمت في قضية “تيرنير تيڤو” ضد “فييز” لتعمقها أكثر في قضايا المحتوى والترفية وليست للإختصاص أو إنشاء “دائرة نزاعات المحتوى الرقمي” متخصصة داخل الهيكل القضائي للاتحاد، لتكون الخيار الأول والأسرع لحل هذه النزاعات المعقدة.

ختاماً: من تنظيم الرياضة إلى تمكين الاقتصاد

إن الاعتراف بالكلانات ككيانات رياضية كان خطوة أولى ضرورية. لكن لكي تحقق المملكة ريادتها الكاملة في هذا القطاع الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات، يجب أن تخطو الخطوة الثانية: الاعتراف بها ككيانات اقتصادية وإعلامية متكاملة، وبناء الجسور التنظيمية التي تحمي جميع أطرافها، من أصغر لاعب إلى أكبر مستثمر. إن تجاهل اقتصاد المحتوى هو تجاهل للمستقبل، وكما قال سمو سيدي ولي العهد “لدينا قدرات سنقوم بمضاعفة دورها وزيادة إسهامها في صناعة هذا المستقبل” والمستقبل لن ينتظر .

مصادر وأنظمة للإشارة:

1. النظام الأساسي للاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية: يحدد أهداف الاتحاد وصلاحياته في تنظيم وتطوير الرياضات الإلكترونية في المملكة.

2. لائحة تراخيص الأندية والفرق للرياضات الإلكترونية: تحدد متطلبات تسجيل الفرق والنوادي تحت مظلة الاتحاد.

3. لائحة الاحتراف للرياضات الإلكترونية: تنظم العلاقة التعاقدية بين اللاعبين المحترفين والأندية.

4. قضية Tfue v. FaZe Clan (2019): يمكن البحث عنها في المصادر الإخبارية التقنية والقانونية العالمية (مثل The Verge, Forbes) كدراسة حالة لأبرز النزاعات القانونية في القطاع.

5. نظام حماية حقوق المؤلف السعودي: المرجع القانوني لحماية المحتوى الرقمي المنتج.

6. نظام العلامات التجارية السعودي: المرجع القانوني لحماية أسماء وشعارات الكلانات.

Comments are disabled