حين يُخطئ الذكاء الاصطناعي… لماذا يُصدّقه المحامون؟
في زمنٍ أصبح فيه الذكاء الاصطناعي جزءًا من أدوات العمل اليومية، لم يعد غريبًا أن يلجأ المحامون إلى هذه التقنيات لتسريع البحث القانوني، صياغة المذكرات، أو حتى تحليل المخاطر. لكن ما يثير القلق ليس استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل الثقة المفرطة في مخرجاته حتى عندما تكون غير دقيقة.
هذه الظاهرة، المعروفة تقنيًا بـ “هلوسة الذكاء الاصطناعي”، تشير إلى قيام الأنظمة بإنتاج معلومات تبدو صحيحة ومنطقية، لكنها في الواقع غير دقيقة أو حتى مختلقة بالكامل.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا قد يثق المحامي، وهو الحريص بطبيعته على الدقة، بمخرجات غير موثوقة؟
أولًا: السرعة مقابل التدقيق تحت ضغط المهل الزمنية وكثافة العمل، قد يميل البعض إلى الاعتماد على إجابات جاهزة دون التحقق الكافي، خاصة عندما تُعرض هذه الإجابات بلغة قانونية متماسكة توحي بالمصداقية.
ثانيًا: سلطة التقنية هناك ميل نفسي لمنح التكنولوجيا المتقدمة نوعًا من “السلطة المعرفية”، مما يدفع المستخدم إلى افتراض صحة النتائج، خصوصًا إذا لم يكن على دراية بحدود هذه الأنظمة.
ثالثًا: تشابه الأسلوب مع المصادر الموثوقة الذكاء الاصطناعي بارع في تقليد اللغة القانونية، بما في ذلك الاستشهادات والصياغة الأكاديمية، ما يجعل الخطأ يبدو مقنعًا بل أحيانًا يصعب اكتشافه دون مراجعة دقيقة.
رابعًا: فجوة الفهم التقني ليس كل الممارسين القانونيين لديهم خلفية كافية لفهم كيفية عمل هذه النماذج، أو إدراك أنها لا “تعرف” المعلومات بقدر ما “تتنبأ” بها بناءً على أنماط لغوية.
لكن المخاطر هنا لم تعد نظرية. فقد شهدت عدة أنظمة قضائية حول العالم حالات فعلية قام فيها محامون بتقديم لوائح ومذكرات تضمنت سوابق قضائية غير موجودة أو مختلقة بالكامل، نتيجة اعتمادهم على مخرجات الذكاء الاصطناعي دون تحقق. وفي بعض هذه الحالات، أدى ذلك إلى مساءلة المحامين أو فرض عقوبات عليهم، ما يعكس جدية الإشكالية وخطورتها على الممارسة المهنية.
الاعتماد على معلومات غير صحيحة قد يؤدي إلى:
- الاستناد إلى أحكام قضائية سابقة غير موجودة
- تقديم استشارات قانونية خاطئة
- الإضرار بسمعة المحامي ومصداقيته أمام العملاء والمحاكم
فما الحل؟
المعادلة ليست في رفض الذكاء الاصطناعي، بل في استخدامه بوعي مهني. يجب التعامل مع هذه الأدوات كـ “مساعد أولي” وليس “مرجعًا نهائيًا”.
ومن هنا، تبرز بعض الممارسات الأساسية:
- التحقق من جميع المراجع القانونية من مصادر رسمية
- عدم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في المسائل المعقدة دون مراجعة بشرية
- تطوير الوعي بحدود هذه التكنولوجيا
- إدماج سياسات داخلية في مكاتب المحاماة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي
في النهاية، تبقى المسؤولية المهنية للمحامي غير قابلة للتفويض، لا إلى مساعد بشري ولا إلى خوارزمية. الذكاء الاصطناعي قد يكتب… لكنه لا يتحمّل المسؤولية.



No comment