في وقت يتزايد فيه اعتماد الأفراد على أدوات الذكاء الاصطناعي لفهم قضاياهم القانونية، يسلّط حكم حديث صادر في قضية United States v. Heppner عن المحكمة الجزئية الفيدرالية للمنطقة الشمالية من كاليفورنيا الضوء على مخاطر غير متوقعة قد تقوّض امتياز سرية العلاقة بين المحامي وموكله (Attorney–Client Privilege). فبدلًا من أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة دعم، قد يتحول إلى قناة تُفقد الامتياز القانوني وتفتح الباب أمام طلبات الاكتشاف من الخصوم.
المشكلة لا تتعلق باستخدام المحامين للذكاء الاصطناعي، بل بما يفعله العملاء بشكل مستقل. إذ يلجأ بعضهم إلى منصات مثل ChatGPT أو Claude لإدخال تفاصيل قضاياهم، أو حتى نسخ نصائح محاميهم بهدف “فهمها بشكل أفضل”، ظنًا منهم أن هذه المساحة خاصة وآمنة. غير أن الواقع القانوني، كما أظهر حكم Heppner، مختلف تمامًا.
في هذه القضية، اعتبر القاضي أن المستندات التي أنشأها المتهم باستخدام منصة ذكاء اصطناعي استهلاكية لا تتمتع بحماية امتياز سرية العلاقة بين المحامي وموكله، لعدة أسباب، أبرزها أن الأداة ليست محاميًا، وأن استخدامها ينطوي على إشراك طرف ثالث، فضلًا عن أن سياسات الخصوصية لا تضمن السرية القانونية المطلوبة. والأخطر أن المحكمة أقرت أن إدخال معلومات كانت محمية مثل استشارات قانونية قد يُفسَّر على أنه تنازل ضمني عن الامتياز فقدان الحماية (Waiver).
وفي المقابل، جاء حكم آخر في قضية Warner v. Gilbarco ليؤكد أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يُفقد الحماية تلقائيًا، حيث رفضت المحكمة طلبًا واسعًا للاطلاع على كل ما يتعلق باستخدام المدعية لـ ChatGPT، معتبرة أن هذه الأدوات “وسائل” وليست “أشخاصًا”، وأن الطلب يُعد محاولة صيد غير مبررة للأدلة.
ورغم التباين الظاهري، فإن الحكمين يرسمان خطًا قانونيًا واضحًا: الاستخدام الموجّه من قبل المحامي، وخاصة عبر أدوات أو بيئات تحافظ على السرية، قد يظل ضمن نطاق الامتياز؛ بينما الاستخدام الفردي عبر منصات استهلاكية، دون إشراف قانوني، قد يؤدي إلى فقدان هذه الحماية.
هذا التطور يثير قلقًا خاصًا لدى مكاتب محامي المدّعين، حيث إن العملاء على عكس الشركات—يميلون إلى استخدام هذه الأدوات بشكل غير منضبط، خاصة في لحظات القلق أو البحث عن إجابات سريعة. وهو ما يمنح فرق الدفاع فرصة استراتيجية لتعزيز طلبات الاكتشاف، وربما الطعن في الامتياز القانوني ذاته.
في ضوء ذلك، يدعو خبراء إلى اتخاذ إجراءات فورية، من بينها تحديث عقود التوكيل لتشمل تحذيرات صريحة بشأن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وطرح أسئلة مباشرة على العملاء حول استخدامهم لهذه الأدوات، إضافة إلى توثيق أي توجيه قانوني يتعلق بها لضمان استمرار الحماية.



No comment