لم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي في الخدمات القانونية يدور فقط حول قدرته على تسريع عمل المحامين، بل بدأ ينتقل إلى سؤال اقتصادي أكثر تعقيدًا: من يملك الوفر الناتج عن هذه الكفاءة؟ فبينما تضغط الإدارات القانونية على مكاتب المحاماة لخفض الأتعاب مع تراجع الوقت اللازم لإنجاز بعض المهام، ترى المكاتب أن تبني الذكاء الاصطناعي نفسه أصبح يتطلب استثمارات كبيرة في التكنولوجيا والحوكمة والإشراف.
وتظهر المشكلة بوضوح في الأعمال القانونية المتكررة والقابلة للأتمتة، مثل الامتثال التنظيمي، ومكافحة غسل الأموال، والعقوبات والعناية الواجبة، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي تقليص الوقت الذي كان يُحتسب سابقًا ضمن الساعات القابلة للفوترة. وفي المقابل، تظل الأعمال التي تتطلب خبرة متخصصة أو معرفة عميقة بالاختصاص القضائي محل استعداد أكبر من العملاء لدفع أتعاب مرتفعة مقابلها.
وهذا يضع نموذج الفوترة بالساعة أمام اختبار حقيقي؛ فإذا أصبح إنجاز مهمة كانت تستغرق أربع ساعات ممكنًا في ساعتين، فإن انخفاض الوقت لا يعني بالضرورة انخفاض تكلفة الخدمة بالنسبة إلى المكتب، خصوصًا مع تكاليف أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقييم مخرجاتها، ووضع الضوابط والحوكمة اللازمة لاستخدامها. لذلك يتجه النقاش تدريجيًا نحو نموذج مختلف يقوم على قيمة النتيجة والمخرجات بدل عدد الساعات.
وقد يكون التحول الأهم هنا أن الذكاء الاصطناعي لا يعيد توزيع ساعات العمل فحسب، بل يعيد تعريف كيفية تسعير العمل القانوني نفسه. فمع تراجع ارتباط القيمة بالوقت الذي يقضيه المحامي في المهمة، سيصبح على مكاتب المحاماة إثبات القيمة التي تضيفها للعميل، بينما ستسعى الإدارات القانونية إلى التأكد من أن الكفاءة التي تحققها التكنولوجيا تنعكس فعليًا على الإنفاق القانوني.
وبالتالي، فإن السؤال المستقبلي لم يعد:» كم ساعة استغرق المحامي لإنجاز العمل؟»، وإنما: «ما النتيجة التي تحققت، وما القيمة التي أضافها الذكاء الاصطناعي، وكيف ينبغي توزيع هذه القيمة بين المكتب والعميل؟ « . وهذه المعادلة الجديدة قد تدفع سوق الخدمات القانونية تدريجيًا بعيدًا عن نموذج الساعات نحو تسعير يعتمد على المخرجات والنتائج والقيمة الفعلية للخدمة.
#قانون_وتقنية #قانون #محاماة



No comment