لم تعد أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بعيدة عن مهنة المحاماة، إذ باتت حاضرة في صياغة المستندات وتحليل العقود وإعداد المذكرات، فقد أظهر الاستطلاع الذي أجرته وكالة تومسون رويترز العام الماضي، أن نسبة تبلغ 63% من المحامين قد استخدموا الذكاء الاصطناعي في عملهم، 12% منهم يستخدمونه بانتظام (Thomson Reuters, 2024)، إلا أن هذا التوسع يكشف في الوقت ذاته عن مخاطر جوهرية، في مقدمتها ما يتعلق بالهلوسة القانونية وسرية بيانات الموكلين وثغرات الأنظمة التقنية، وفي مواجهة هذه التحديات، أصدرت الهيئات المهنية الدولية ضوابط صريحة تؤكد أن التطور التقني لا يُعفي المحامي من واجباته المهنية في السرية والكفاءة.
مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في مهنة المحاماة
1-الهلوسة القانونية:
هي إنتاج النماذج اللغوية لمعلومات غير صحيحة ومختلقة نتيجة محدودية فهمها للسياق القانوني، وتزداد هذه المشكلة عندما تكون البيانات التدريبية ناقصة أو متناقضة، مما يدفع النظام إلى اختلاق سوابق أو نصوص غير موجودة، وتقديم مخرجات مضللة ومختلقة في قضايا حساسة (علي، ٢٠٢٥م)، أصدرت محكمة مركز قطر المالي في ديسمبر 2025 حكمًا بإنذار تأديبي لمحامٍ وذلك بعد ثبوت تقديمه مذكرة تضمنت أحكامًا قضائية مختلقة، وقد سببت المحكمة أن مسؤولية التحقق تقع على المحامي وحده، ويؤكد الحكم خطورة الاعتماد غير المنضبط للمحامي على الذكاء الاصطناعي.( Arabian، 2025م)
تُعد منصة الباحث القانوني الفرنسي داميان شارلوتين واحدة من أهم المبادرات العالمية التي ترصد ظاهرة الهلوسات الناتجة عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، إذ توفر المنصة قاعدة بيانات متجددة توثّق الحالات التي اكتشفت فيها المحاكم فعليًا اعتماد أحد الأطراف على مراجع أو أحكام أو اقتباسات مهلوسة، وقد أصبحت هذه القاعدة مرجعًا معتمدًا في الأوساط الأكاديمية والإعلامية، بل واستشهدت بها بعض المحاكم في قراراتها، ووفقًا لآخر تحديث، فقد بلغ عدد الحالات الموثقة 1636 حالة حتى الآن، مع استمرار الزيادة بوتيرة متسارعة. (Charlotin, 2025)
تتناول قضيةAyinde v Haringey 2025 إحالة المحكمة العليا في إنجلترا وويلز لمحام قدم خمسة أحكام قضائية مختلقة ضمن مذكرة الطعن، وهو ما اعتبرته المحكمة مثالًا على الهلوسة القانونية الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي دون مراجعة بشرية، وأكدت المحكمة أن المحامين يظلون مسؤولين مهنيًا وأخلاقيًا عن كل ما يقدّمونه. Ayinde v Haringey) (2025
2- فقدان البعد الإنساني في المخرجات الخوارزمية:
الذكاء الاصطناعي يظل عاجز عن إدراك العواطف والمشاعر والحالة الإنسانية والروحية التي تُعد عناصر اساسية في الطبيعة البشرية، (صدام، 2025م) فالإفراط في الاعتماد على الخوارزميات قد يفضي إلى قرارات تبدو منسجمة مع الشكل القانوني، لكنها تفتقر إلى روح العدالة ومقاصدها، إذ تميل الأنظمة الذكية إلى تطبيق القواعد بصورة جامدة دون الالتفات إلى الملابسات الإنسانية أو الاجتماعية، وقد يؤدي هذا النهج الآلي إلى نتائج غير متوازنة أو جامدة.
تؤكد العديد من الدراسات القانونية على أهمية تبني مبدأ (وجود الإنسان في الحلقة) (Human-in-the-Loop)، الذي يضمن بقاء المحامي جزءًا محوريًا في تقييم الوقائع وترجيح الأدلة، ويهدف هذا المبدأ إلى منع وقوع العدالة بنمط آلي جامد يخلو من الاعتبارات الإنسانية (حسين، 2025م).
3-تعرض الأداة للهجمات السيبرانية:
الالتزام بحماية البيانات الموكل وعدم تعرضها للهجمات السيبرانية جزءًا أصيلًا من واجب العناية المهنية، وما يثير مخاطر جدية على الخصوصية عند إدخال معلومات حساسة في ادوات الذكاء الاصطناعي دون رقابة أو التأكد المحامي من جودة الأمان والسرية في الادة، فقد تتعرض بيانات لاحتمالات التسريب أو الاختراق نتيجة ضعف الحماية التقنية. (رضوان، ٢٠٢٥م).
كشفت دراسة أمنية حديثة عن وجود أكثر من ثلاثين ثغرة في بيئات تطوير البرمجيات المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهي ثغرات تُمكّن المهاجمين من تنفيذ اختراقات تشمل تسريب البيانات وتنفيذ أوامر عن بُعد، وقد أُطلق على هذا النمط من الثغرات اسم (IDEsaster)، ويُنسب اكتشافه إلى الباحث الأمني ((Ari Marzouk. (Cybersecurity Cast, 2025)
وتشير وقائع دعوى (Shore v. Johnson & Bell) إلى أن مجرد وجود ثغرات أمنية في أنظمة شركة المحاماة، تعتبر مخاطرة حتى وإن لم يقع ضرر مباشر، فقد تتعرض بيانات العملاء لخطر التسريب، وتبرز وقائع القضية على أهمية حماية بيانات الموكلين واخذ الحيطة والحذر. (Shore v. Johnson & Bell, 2016)
4- مخاطر جمع البيانات الشخصية بالذكاء الاصطناعي:
أحد اهم المخاطر هي جمع البيانات الشخصية ومعالجتها وإعادة توليدها دون موافقة أصحابها، فتبين دراسة (Kaori Ishii) أن الطبيعة الذاتية لأنظمة التعلم الآلي تمكن الخوارزميات من اتخاذ قرارات دون رقابة بشرية مباشرة وتقوم بجمع البيانات بإرادتها المنفردة، مما يزيد من خطر ادخال البيانات شخصية للموكلين في عمليات تحليل أو كتابة المذكرات ومراجعة العقود (حسين، 2025).
سياسات الخصوصية الخاصة ببعض الأنظمة، مثل (ChatGPT)، تكشف عن استخدام البيانات الشخصية في أغراض التطوير والبحث، ويزداد الخطر عندما يُدخل المحامي بيانات تتعلق بأسرار تجارية أو معلومات خاصة بموكليه، إذ قد تُخزن أو تُستخدم في التدريب أو تعاد صياغتها وتوليدها، ويؤكد خطورة ذلك في الإجراءات التنظيمية الدولية، مثل قرار منظم البيانات الإيطالي بإيقاف استخدام OpenAI لبيانات المواطنين، مما يبن لنا خطورة ادخال البيانات الحساسة في أدوات الذكاء الاصطناعي. (مروة،محمد، ٢٠٢٣م).
وعليه تُشكل الهلوسة القانونية خطراً مباشراً بإنتاجها سوابق ومخرجات مفبركة نتيجة قصور فهم السياق، ويتحمل المحامي وحده المسؤولية التأديبية الكاملة ويفرض عليه جوب التحقق البشري التام، كما أن عجز هذه الأنظمة عن إدراك المشاعر والملابسات الاجتماعية يؤدي إلى تطبيق آلي جامد يفرغ العدالة من جوهرها، وعليه يصبح تفعيل مبدأ “الإنسان في الحلقة” ضرورة حتمية لضمان التقييم البشري المرن من جهة المحامي، ومن جانب أخر، تُهدد الثغرات التقنية سرية البيانات بشكل مباشر، ومجرد استخدام أدوات غير آمنة يُعد إخلالاً بواجب العناية المهنية وموجباً للمسؤولية القانونية للمحامي بغض النظر عن وقوع ضرر فعلي، وأخيراً، فإن قيام الخوارزميات بجمع ومعالجة بيانات الموكلين ذاتياً واستغلالها في التدريب والتطوير يحول الأسرار الحساسة إلى مشاع تدريبي، ويصبح على عاتق المحامي اخذ الحيطة والحذر.
المطلب الثاني: التنظيمات المهنية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مهنة المحاماة:
تزايد اعتماد المحامين على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي الأمر الذي استدعى تدخل الهيئات المهنية لوضع ضوابط تنظم هذا الاستخدام وتحد من مخاطره، مثل الجمعية الأمريكية للمحامين ونقابة محامي واشنطن ونذكر هذا المطلب أبرز هذه الضوابط وما تعكسه من توجهات مهنية نحو الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة في العمل القانوني.
1-الضوابط المهنية وفق رأي الجمعية الأمريكية للمحامين:
1-واجب الكفاءة التقنية: الكفاءة المهنية في العصر الرقمي لم تعد تقتصر على المعرفة القانونية التقليدية، بل تشمل فهمًا كافيًا للتقنيات في العمل القانوني، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، ويجب على المحامي الإلمام بآلية عمل هذه الأدوات، ويُعد الجهل بها إخلالًا بواجب الكفاءة المهنية المنصوص عليه في قواعد السلوك المهني الأمريكية.
2-واجب التحقق من المخرجات: المحامي يظل المسؤول الأول والأخير عن دقة وصحة أي مستند أو تحليل يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ولا يجوز تقديم أي مستند للمحكمة دون مراجعة بشرية دقيقة، وقد جاءت هذه الضوابط بعد سوابق عديدة قدم فيها محامون مراجع قضائية مختلقة بالكامل أنتجتها أدوات الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى فرض عقوبات تأديبية عليهم.
3-واجب حماية السرية: إدخال بيانات الموكلين في أدوات ذكاء اصطناعي غير آمنة أو غير خاضعة لسياسات خصوصية واضحة تشكل إخلالًا بواجب العناية المهنية، ويجب على المحامي تقييم مستوى الأمان السيبراني للأداة، ومعرفة ما إذا كانت البيانات تُخزن أو تُستخدم في تدريب النماذج.
4-واجب الإشراف على غير المحامين: تعتبر الجمعية أن استخدام الذكاء الاصطناعي يشبه الاستعانة بمساعدين غير محامين، وبالتالي يخضع لواجب الإشراف المنصوص عليه في قواعد السلوك المهني. Gesser, Liebermann, Huang, & Goland, 2024))
2- الإرشادات الأخلاقية لنقابة محامي واشنطن (WSBA) في استخدام الذكاء الاصطناعي:
1-مبدأ الاجتهاد والحيطة:
تشدد النقابة على ضرورة أن يتعامل المحامي مع أدوات الذكاء الاصطناعي بحذر ووعي، وأن يُجري تقييمًا مستمرًا للمخاطر المرتبطة باستخدامها، ويشمل ذلك مخاطر التحيز الخوارزمي، والهلوسة، والقصور في فهم السياق، واحتمالات الإضرار بحقوق الموكلين، وتؤكد النقابة أن الاعتماد غير المدروس على هذه الأدوات قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة.
2-الرقابة البشرية الإلزامية:
تؤكد النقابة أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل التقدير القانوني للمحامي، وأن كل قرار قانوني يجب أن يخضع لمراجعة بشرية واعية ويجب على المحامي أن يظل في دائرة اتخاذ القرار لضمان عدم انحياز العمل القانوني نحو نمط آلي جامد يخلو من الاعتبارات الإنسانية.
3-تقييم أدوات الذكاء الاصطناعي قبل اعتمادها:
توصي النقابة بأن يقوم المحامي أو مكتب المحاماة بتقييم شامل للأداة قبل استخدامها، يشمل مستوى الأمان، ومصادر البيانات، ودرجة الشفافية، وإمكانية التحقق من المخرجات، كما يجب التأكد من أن الأداة لا تخزن بيانات الموكلين أو تستخدمها في التدريب دون إذن.
4-وضع سياسات داخلية في مكاتب المحاماة:
تشجع النقابة على وضع سياسات مكتوبة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المكتب، تشمل إجراءات حماية البيانات، وآليات مراجعة المخرجات، وخطوات التحقق من صحة المعلومات، ومعايير اختيار الأدوات التقنية.
5-الامتثال لمعايير حماية البيانات:
تؤكد النقابة على عدم إدخال معلومات حساسة في منصات لا توفر حماية كافية أو تخضع لجهات خارجية كما يجب التأكد من أن الأداة لا تشارك البيانات مع أطراف اخرى.
6-التدريب المستمر:
تشدد النقابة على أهمية التدريب المستمر للمحامين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وفهم مخاطرها، وتطوير مهاراتهم التقنية لضمان الاستخدام الواعي والمسؤول لهذه التقنيات. Author unknown, 2026))
وبناء على ما سبق تُظهر الضوابط الصادرة عن الجمعية الأمريكية للمحامين وإرشادات نقابة محامي واشنطن أن تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة القانونية يقوم على مبدأ جوهري: المحامي يظل المسؤول الأول عن كل ما يصدر باسمه، مهما كانت التقنية المستخدمة، ورغم اختلاف تركيز كل جهة، إلا أن كليهما يشدد على ضرورة الرقابة البشرية، وحماية السرية، والتحقق من المخرجات، وتطوير الكفاءة التقنية، ويكشف ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يُعد بديلاً عن الخبرة المهنية، بل أداة تتطلب وعيًا ومهارة لضمان عدم الإخلال بواجبات العناية والعدالة.
الخاتمة: يبقى الذكاء الاصطناعي التوليدي سلاحاً ذا حدين في يد المحامي، فبقدر ما يوفر من كفاءة، يفتح من ثغرات، لذا يُوصى بأن يحرص كل محامٍ على تقييم أي أداة قبل اعتمادها وعدم إدخال بيانات موكليه في منصات غير موثوقة، مع استحضار دائم أن التقنية مهما تطورت لا تحمل عنه مسؤوليته المهنية.
المراجع:
1-العرشاني علي، (٢٠٢٥)، إمكانات الذكاء الاصطناعي في تطوير العمل القضائي: مقاربة تحليلية لواقع القضاء وتحديات التحول الرقمي، مجلة الباحث العربي، مجلد (٦)، عدد(٣)، صفحة (٩٨).
2- Arabian Business، (2025) ، القضية الأولى عربيًا: محكمة تنذر محامٍ بسبب استخدام الذكاء الاصطناعي، تاريخ الاطلاع: (4-1-1448ه):
https://arabic.arabianbusiness.com/abnews/القضية-الأولى-عربيًا-محكمة-تنذر-محام
3-Charlotin, D. (2025). AI Hallucination Cases Database. Retrieved from https://www.damiencharlotin.com/hallucinations/
4- المحمدي صدام، (٢٠٢٥)، مخاطر اللجوء الى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في منظومة التقاضي مقاربة قانونية- أخلاقية، مجلة المحامي، مجلد (٢١)، العدد (١)، صفحة (42).
5- الغافري حسين، (٢٠٢٥)، حماية البيانات الشخصية في ظل تطبيق الذكاء الاصطناعي في الأنظمة القضائية “مقارنة بين سلطنة عُمان والتشريعات الدولية”، المجلة العصرية للدراسات القانونية، المجل (٤)، العدد (١)، صفحة (١٥١).
6-صاري رضوان، (٢٠٢٥)، تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال القانون، جامعة المدية الجزائر، المجلد (١٧)، العدد (١)، صفحة (29- 32).
7-Cybersecurity Cast. (2025, December 7). أكثر من 30 ثغرة في أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تعرض البيانات للهجمات، تاريخ الاطلاع: (1-1-1448ه):
https://cybersecuritycast.com/أكثر-من-30-ثغرة-في-أدوات-البرمجة-المدعوم/
8-Shore, J., & Coinabul, LLC v. Johnson & Bell, Ltd. (2016). Memorandum Opinion and Order.
9- سعد مروة، الجندي محمد، (٢٠٢٣)، المشكلات القانونية للذكاء الاصطناعي التوليدي (ChatGPT)، مجلة القانون والتكنولوجيا، المجلد (٣)، العدد (ا)، صفحة (301).
10- Gesser, A., Liebermann, E., Huang, M., & Goland, J. A. (2024). Guidelines on the use of generative AI tools by professionals from the American Bar Association.
11-Author unknown. (2026), Navigating the ethical use of AI in law practice.
12-Thomson Reuters. (2024). Future of Professionals Report 2024: AI-powered technology & the forces shaping professional work. Thomson Reuters Institute.
13-Ayinde v London Borough of Haringey & Al‑Haroun v Qatar National Bank QPSC [2025] EWHC 1383 (Admin). High Court of Justice, King’s Bench Division (Divisional Court). Judgment delivered 6 June 2025.



No comment