المقدمة
يشهد العالم تحولًا جذريًا في مجال الذكاء الاصطناعي نتيجة التطور المتسارع للنماذج اللغوية الكبيرةLarge Language Models – LLMs، التي أحدثت نقلة نوعية في قدرة الأنظمة الحاسوبية على فهم اللغة الطبيعية، وتحليل البيانات، وتنفيذ المهام المعقدة. ومع استمرار هذا التطور، ظهر مفهوم وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents) باعتباره أحد أكثر الاتجاهات البحثية والتطبيقية تأثيرًا، إذ تجاوزت هذه الأنظمة دورها التقليدي المتمثل في الاستجابة للأوامر المباشرة، لتصبح قادرة على التخطيط، والاستدلال، واتخاذ القرارات، والتفاعل مع البيئات الرقمية والمادية بصورة مستقلة نسبيًا. وتُمثل هذه القدرات تحولًا من النظم الذكية الساكنة إلى أنظمة ديناميكية تستطيع تنفيذ سلاسل من المهام وتحقيق أهداف محددة بأقل قدر من التدخل البشري.
ويُعرَّف وكيل الذكاء الاصطناعي بأنه نظام برمجي أو مادي يتمتع بالقدرة على إدراك البيئة المحيطة به، وتحليل المعلومات الواردة، واتخاذ قرارات مبنية على أهداف محددة، ثم تنفيذ إجراءات تؤثر في تلك البيئة لتحقيق النتائج المرجوة. وتختلف هذه الوكلاء عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي التقليدية في أنها لا تقتصر على معالجة مدخلات وإنتاج مخرجات، بل تمتلك دورة عمل متكاملة تشمل الإدراك، والتخطيط، والتنفيذ، والتقييم المستمر للنتائج، مما يجعلها أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع المشكلات المعقدة والمتغيرة. [1]
وقد أدى الانتشار الواسع للنماذج اللغوية الحديثة إلى توسيع إمكانات هذه الوكلاء بصورة غير مسبوقة، حيث أصبحت قادرة على استخدام أدوات خارجية، وإدارة الذاكرة طويلة وقصيرة المدى، والتعاون مع وكلاء آخرين، بالإضافة إلى التفاعل مع التطبيقات المختلفة عبر واجهات برمجية متنوعة. ولذلك، أصبح AI Agents محورًا رئيسيًا للأبحاث الحديثة في مجالات الحوسبة والروبوتات والهندسة والطب والتعليم، لما يمتلكه من إمكانات كبيرة في أتمتة الأعمال المعرفية واتخاذ القرارات المعقدة.
أولًا: التطور التاريخي لوكلاء الذكاء الاصطناعي
لم يظهر مفهوم وكلاء الذكاء الاصطناعي بصورة مفاجئة، وإنما يمثل نتيجة طبيعية لتطور الذكاء الاصطناعي عبر عدة مراحل متعاقبة. فقد اعتمدت الأنظمة الأولى على الذكاء الاصطناعي الرمزي (Symbolic AI) الذي ركز على بناء قواعد معرفية ومنطقية تمكّن الحاسوب من اتخاذ القرارات وفق قواعد ثابتة ومحددة مسبقًا. ورغم نجاح هذا النهج في تطبيقات معينة، فإنه واجه صعوبات كبيرة في التعامل مع البيئات الديناميكية والبيانات غير المنظمة، كما افتقر إلى القدرة على التعلم والتكيف مع الظروف الجديدة. [2]
ومع تطور تقنيات التعلم الآلي (Machine Learning)، بدأ التركيز ينتقل نحو الأنظمة القادرة على التعلم من البيانات بدلاً من الاعتماد الكامل على القواعد اليدوية. وأسهم ذلك في تحسين قدرة الأنظمة الذكية على التعرف على الأنماط والتنبؤ واتخاذ القرارات، إلا أن هذه الأنظمة بقيت محدودة في أداء المهام المركبة التي تتطلب تخطيطًا طويل الأمد أو استدلالًا متعدد الخطوات.
وجاءت المرحلة الأكثر تأثيرًا مع ظهور تقنيات التعلم العميق (Deep Learning)، والتي أتاحت للحواسيب معالجة كميات ضخمة من البيانات واستخلاص تمثيلات معقدة للمعلومات. وأسهمت هذه التطورات في تحسين أداء أنظمة الرؤية الحاسوبية، ومعالجة اللغة الطبيعية، والتعرف على الكلام، إلا أن هذه النماذج ظلت غالبًا متخصصة في مهمة واحدة دون امتلاك القدرة على إدارة سلسلة متكاملة من الإجراءات لتحقيق هدف معين.
ومع إطلاق النماذج اللغوية الكبيرة مثل GPT وغيرها، دخل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة، حيث أصبحت النماذج قادرة على فهم السياق، وتوليد النصوص، والإجابة عن الأسئلة، وكتابة الأكواد البرمجية، وتحليل البيانات. ومع ذلك، لاحظ الباحثون أن هذه النماذج، رغم قوتها، لا تزال بحاجة إلى آليات تمكنها من التخطيط، والاحتفاظ بالذاكرة، واستخدام الأدوات الخارجية، ومراقبة أدائها، وهو ما أدى إلى ظهور مفهوم AI Agents باعتباره امتدادًا للنماذج اللغوية الكبيرة وليس بديلًا عنها.
وبذلك، أصبح وكيل الذكاء الاصطناعي يمثل نظامًا متكاملًا يجمع بين النموذج اللغوي، وآليات التخطيط، والذاكرة، واستخدام الأدوات، والتفاعل مع البيئة، الأمر الذي يسمح له بتنفيذ مهام معقدة مثل إدارة المشاريع، والبحث العلمي، وتحليل المستندات، وتطوير البرمجيات، واتخاذ القرارات في البيئات الديناميكية.
ثانيًا: الدراسات السابقة حول AI Agents
الاهتمام العلمي بوكلاء الذكاء الاصطناعي شهد نموًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما انعكس في ازدياد عدد الدراسات التي تناولت هذا المجال من زوايا مختلفة. فقد ركزت بعض المراجعات على الجوانب المعمارية للوكلاء، بينما اهتمت دراسات أخرى بتطبيقاتهم العملية أو بالتحديات الأخلاقية والأمنية المرتبطة باستخدامهم. إلا أن معظم هذه الدراسات ركز على جانب محدد دون تقديم رؤية شاملة تجمع بين التطور التاريخي، والبنية التقنية، والتطبيقات، والتحديات المستقبلية.
كما أن العديد من المراجعات السابقة تناولت موضوعات مثل التعاون بين الوكلاء (Multi-Agent Systems)، أو دمج النماذج اللغوية مع الأدوات الخارجية، أو تصميم الوكلاء القادرين على التخطيط الذاتي، إلا أنها غالبًا لم تقدم إطارًا موحدًا يربط هذه الموضوعات ضمن تصور متكامل. كما أن بعض الدراسات ركز على الجوانب التقنية البحتة دون التطرق إلى التطبيقات العملية أو الأبعاد المستقبلية للمجال. [3]
ومن هنا تبرز مساهمة هذه المقالة الحالية، التي تسعى إلى سد هذه الفجوة من خلال مراجعة شاملة تغطي الجوانب النظرية والتطبيقية لوكلاء الذكاء الاصطناعي، مع تحليل الاتجاهات البحثية الحديثة، واستعراض التطبيقات في مختلف القطاعات، وبيان التحديات التقنية والأخلاقية التي تواجه تطوير هذه الأنظمة، فضلًا عن تقديم رؤية مستقبلية للجيل القادم من الوكلاء الذكيين.
ثالثًا: منهجية (PRISMA)
اعتمد الباحثون في بعض المراجعات العلمية على منهجية PRISMA (Preferred Reporting Items for Systematic Reviews and Meta-Analyses)، وهي إحدى أكثر المنهجيات استخدامًا في إعداد المراجعات المنهجية، لما توفره من إطار واضح ومنظم يضمن الشفافية وإمكانية تكرار الدراسة. وتهدف هذه المنهجية إلى تنظيم عملية البحث عن الدراسات العلمية، واختيارها، وتحليلها وفق معايير دقيقة تقلل من احتمالية التحيز وتزيد من موثوقية النتائج. [4]
تبدأ عملية المراجعة بتحديد الكلمات المفتاحية المرتبطة بوكلاء الذكاء الاصطناعي، ثم إجراء عمليات بحث موسعة في قواعد البيانات العلمية المعتمدة. وبعد جمع الدراسات الأولية، خضعت لعملية فرز متعددة المراحل شملت إزالة الدراسات المكررة، واستبعاد الأبحاث غير المرتبطة بموضوع الدراسة، ثم تقييم الدراسات المتبقية وفق معايير محددة تتعلق بالجودة العلمية، وحداثة النشر، ومدى ارتباطها بمحاور البحث.
كما تضمنت المنهجية استخراج البيانات الأساسية من الدراسات المختارة، مثل المفاهيم الرئيسة، والبنى المعمارية المقترحة، والتطبيقات العملية، والتحديات التقنية، ثم تصنيف هذه البيانات ضمن محاور موضوعية تسمح بإجراء تحليل مقارن واستنتاج الاتجاهات العامة للمجال. وقد مكّنت هذه المنهجية الباحثين من بناء مراجعة علمية متماسكة تجمع بين مختلف الاتجاهات البحثية الحديثة وتقدم رؤية شاملة لتطور AI Agents .
رابعًا: البنية المعمارية لوكلاء الذكاء الاصطناعي AI Agent Architecture
تُعد البنية المعمارية لوكلاء الذكاء الاصطناعي الأساس الذي يمنح هذه الأنظمة القدرة على أداء المهام المعقدة بصورة مستقلة. فعلى خلاف تطبيقات الذكاء الاصطناعي التقليدية، التي تقتصر غالبًا على معالجة مدخلات محددة وإنتاج مخرجات مباشرة، تعتمد وكلاء الذكاء الاصطناعي على مجموعة مترابطة من المكونات التي تعمل بصورة تكاملية، بما يسمح لها بفهم البيئة المحيطة، وتحليل المعلومات، والتخطيط، واتخاذ القرارات، وتنفيذ الإجراءات، ثم تقييم النتائج وإعادة تعديل سلوكها وفقًا للتغيرات التي تطرأ على البيئة. كما أن نجاح الوكيل لا يعتمد على قوة النموذج اللغوي وحده، بل على جودة التكامل بين هذه المكونات المختلفة. [5]
وتتكون هذه المعمارية من عدة عناصر رئيسية تشمل: التخطيط (Planning)، والذاكرة (Memory)، واستخدام الأدوات (Tools)، والإدراك (Perception)، وتمثيل المعرفة (Representation)، والاستدلال (Reasoning)، والتواصل (Communication). ويؤدي كل عنصر وظيفة محددة، إلا أن القيمة الحقيقية تظهر من خلال تفاعل هذه المكونات معًا لتكوين نظام ذكي قادر على إدارة المهام طويلة الأمد والتكيف مع البيئات الديناميكية. [6]
أ. التخطيط (Planning)
يُعد التخطيط أحد أهم الخصائص التي تميز وكلاء الذكاء الاصطناعي عن النماذج اللغوية التقليدية، إذ يتيح للوكيل تحويل الهدف العام إلى مجموعة من الخطوات المنظمة والقابلة للتنفيذ. فبدلًا من تقديم استجابة مباشرة لسؤال المستخدم، يقوم الوكيل أولًا بتحليل الهدف المطلوب، ثم تقسيمه إلى مهام فرعية، وترتيب أولويات التنفيذ، واختيار الاستراتيجية المناسبة لتحقيق النتيجة النهائية.
عملية التخطيط تمر بعدة مراحل تبدأ بفهم المهمة، ثم تحليل القيود والموارد المتاحة، يلي ذلك وضع خطة تنفيذية، ومراقبة تنفيذها، وإجراء التعديلات اللازمة عند ظهور متغيرات جديدة. ويمنح هذا النهج الوكلاء قدرة أكبر على التعامل مع المشكلات المعقدة التي لا يمكن حلها بخطوة واحدة، مثل إدارة المشاريع، أو البحث العلمي، أو تطوير البرمجيات، أو تحليل العقود القانونية.
كما يوجد عددًا من أساليب التخطيط الحديثة، مثل Chain of Thought وTree of Thoughts، التي تساعد الوكيل على التفكير المنهجي، ومراجعة البدائل المختلفة قبل اتخاذ القرار النهائي، وهو ما يسهم في تحسين جودة النتائج وتقليل الأخطاء الناتجة عن الاستجابات السريعة أو غير المدروسة. [7]
ب. الذاكرة (Memory)
تمثل الذاكرة عنصرًا محوريًا في تصميم وكلاء الذكاء الاصطناعي، إذ تمنح النظام القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات والاستفادة منها في المهام اللاحقة. كما ان غياب الذاكرة يجعل الوكيل يتعامل مع كل مهمة باعتبارها تجربة جديدة، مما يقلل من كفاءته ويحد من قدرته على تنفيذ المهام الممتدة زمنيًا.
وتنقسم الذاكرة إلى نوعين رئيسيين: [8]
- الذاكرة قصيرة المدى (Short-Term Memory): وتستخدم للاحتفاظ بالمعلومات المرتبطة بالمهمة الحالية، مثل محتوى المحادثة أو البيانات التي يعالجها الوكيل أثناء تنفيذ مهمة معينة. وتمكن هذه الذاكرة الوكيل من الحفاظ على تسلسل الأحداث وفهم السياق الحالي.
- الذاكرة طويلة المدى (Long-Term Memory): وتُستخدم لتخزين المعرفة والخبرات السابقة، بحيث يستطيع الوكيل الاستفادة منها عند مواجهة مواقف مشابهة في المستقبل. ويسهم هذا النوع من الذاكرة في تحسين الأداء بمرور الوقت، لأنه يسمح للنظام بالتعلم من التجارب السابقة بدلاً من إعادة تنفيذ العمليات نفسها في كل مرة.
كما نؤكد في هذا المقال أن الجمع بين النوعين يحقق درجة أعلى من الكفاءة، حيث يستطيع الوكيل الربط بين المعرفة المخزنة سابقًا والمعلومات الجديدة للوصول إلى قرارات أكثر دقة وملاءمة للسياق.
ج. استخدام الأدوات (Tools)
أحد أبرز التطورات في وكلاء الذكاء الاصطناعي يتمثل في قدرتهم على استخدام أدوات خارجية، وهو ما يميزهم عن النماذج اللغوية التي تعتمد فقط على المعرفة الموجودة داخل النموذج. ويستطيع الوكيل استدعاء محركات البحث، أو قواعد البيانات، أو الحاسبات، أو واجهات البرمجة (APIs)، أو أنظمة إدارة الملفات، ثم دمج النتائج في عملية اتخاذ القرار. [9]
وتوسع هذه القدرة نطاق استخدام الوكلاء بصورة كبيرة، إذ يمكنهم الحصول على معلومات حديثة، أو تنفيذ عمليات حسابية دقيقة، أو تحليل مستندات ضخمة، أو التفاعل مع التطبيقات المختلفة، مما يزيد من استقلاليتهم ويجعلهم أكثر قدرة على تنفيذ المهام الواقعية.
كما أن فعالية استخدام الأدوات لا تعتمد فقط على توافرها، بل على قدرة الوكيل على اختيار الأداة المناسبة في الوقت المناسب، وتقييم النتائج التي تقدمها، ثم دمجها مع بقية المعلومات لاتخاذ القرار النهائي.
د. الإدراك (Perception)
يشير الإدراك إلى قدرة الوكيل على استقبال المعلومات من البيئة المحيطة وتحويلها إلى بيانات قابلة للتحليل. ولا يقتصر الإدراك على النصوص، بل يشمل الصور، والصوت، والفيديو، والبيانات القادمة من المستشعرات، وغيرها من مصادر المعلومات. ويؤكد الباحثون أن تحسين قدرات الإدراك يمثل خطوة أساسية نحو تطوير وكلاء قادرين على العمل في البيئات الواقعية.
ومن خلال دمج تقنيات الرؤية الحاسوبية، ومعالجة اللغة الطبيعية، والتعرف على الكلام، يستطيع الوكيل تكوين تصور متكامل عن البيئة التي يعمل فيها، مما ينعكس بصورة مباشرة على جودة قراراته ودقة استجاباته.
ه. تمثيل المعرفة (Representation)
يُقصد بتمثيل المعرفة الطريقة التي ينظم بها الوكيل المعلومات داخليًا بحيث يمكنه الرجوع إليها والاستفادة منها في عمليات التحليل والاستدلال. ونشير في هذا المقال إلى أن تمثيل المعرفة يعد عنصرًا أساسيًا في فهم العلاقات بين الكيانات المختلفة، وربط المعلومات الجديدة بالمعرفة السابقة، مما يساعد على إنتاج استجابات أكثر ترابطًا واتساقًا.
ويؤدي هذا المكون دورًا مهمًا في معالجة المشكلات المعقدة التي تتطلب فهمًا للعلاقات المنطقية أو الزمنية أو السببية، إذ يمكن للوكيل استخدام تمثيلات منظمة للبيانات بدلاً من الاعتماد على النصوص الخام فقط.
و. الاستدلال (Reasoning)
يمثل الاستدلال العقل التحليلي للوكيل، فمن خلاله يستطيع تفسير المعلومات، وربط المقدمات بالنتائج، والمقارنة بين البدائل المختلفة، واختيار القرار الأنسب. ونوضح في هذا المقال أن جودة الاستدلال تعد أحد أهم المؤشرات التي تحدد كفاءة الوكيل في حل المشكلات المعقدة، لأنها تمكنه من تجاوز مجرد استرجاع المعلومات إلى تحليلها وتفسيرها.
وتعتمد النماذج الحديثة على تقنيات متعددة لتعزيز الاستدلال، مثل التفكير متعدد الخطوات، والمراجعة الذاتية، وتقييم الحلول البديلة، الأمر الذي يقلل من احتمالية الوقوع في الأخطاء المنطقية أو إنتاج معلومات غير دقيقة.
ز. التواصل (Communication)
لا يقتصر عمل الوكلاء على معالجة المعلومات داخليًا، بل يمتد إلى التفاعل مع المستخدمين أو مع وكلاء آخرين. ونشير في هذا المقال إلى أن التواصل يشمل فهم التعليمات، وطرح الأسئلة عند الحاجة، وتبادل البيانات مع الأنظمة الأخرى، والتنسيق بين الوكلاء داخل الأنظمة متعددة الوكلاء (Multi-Agent Systems) . [10]
ويُعد هذا العنصر ضروريًا في التطبيقات التي تتطلب التعاون بين عدة أنظمة ذكية، حيث يمكن توزيع المهام بين وكلاء متخصصين يتبادلون المعلومات بصورة مستمرة للوصول إلى هدف مشترك، وهو ما يزيد من الكفاءة ويُحسن جودة النتائج مقارنةً باعتماد وكيل واحد على تنفيذ جميع المهام.
خامساً: الأبعاد القانونية والتنظيمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي
مع التطور المتسارع لوكلاء الذكاء الاصطناعي وانتقالهم من مجرد أنظمة تولد النصوص والصور إلى أنظمة قادرة على تنفيذ إجراءات حقيقية نيابةً عن المستخدمين، برزت مجموعة جديدة من التحديات القانونية والتنظيمية التي تتجاوز تلك المرتبطة بالنماذج اللغوية التقليدية. فبينما كانت المخاطر السابقة تتمثل في إنتاج معلومات مضللة أو متحيزة أو غير دقيقة، أصبح وكلاء الذكاء الاصطناعي قادرين على إبرام المعاملات، والتفاعل مع أطراف أخرى، واتخاذ قرارات تؤثر بصورة مباشرة في الحقوق والالتزامات القانونية، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في الأطر القانونية المنظمة لهذه الأنظمة.
وترى الدراسات [11] أن مفهوم “الوكيل” في علوم الحاسب يتقاطع مع مفهوم الوكالة في القانون، فكلاهما يقوم على وجود جهة تتصرف نيابة عن جهة أخرى لتحقيق هدف معين. إلا أن الاختلاف الجوهري يكمن في أن القانون ينظم العلاقة بين الأصيل والوكيل من خلال قواعد واضحة تتعلق بالسلطة، والمسؤولية، والولاء، وحماية الغير، في حين ركزت علوم الحاسب بصورة أساسية على الجوانب التقنية المرتبطة بتنفيذ الأهداف دون أن تمنح هذه الاعتبارات القانونية الاهتمام الكافي.
أ. حدود السلطة (Authority) ومشكلة نقص تحديد الأهداف
من أبرز المشكلات القانونية المرتبطة بوكلاء الذكاء الاصطناعي ما يعرف بمشكلة نقص تحديد الهدف (Under-specification)، وهي الحالة التي لا يستطيع فيها المستخدم تحديد جميع القيود والاحتمالات التي قد تواجه الوكيل أثناء تنفيذ المهمة. وفي القانون، يعالج هذا الأمر من خلال مفهوم السلطة الضمنية (Implied Authority)، الذي يسمح للوكيل باتخاذ القرارات المعقولة اللازمة لتنفيذ المهمة دون تجاوز رغبة الأصيل. أما في الذكاء الاصطناعي، فيظهر هذا التحدي عندما يفسر الوكيل التعليمات بطريقة تختلف عما قصده المستخدم، مما قد يؤدي إلى تنفيذ إجراءات غير مرغوبة أو تجاوز حدود التفويض الممنوح له. [12]
ولهذا نؤكد أن تصميم وكلاء الذكاء الاصطناعي يجب أن يراعي حدود السلطة الممنوحة لهم، مع تطوير آليات تمكنهم من تفسير التعليمات الغامضة بصورة تتفق مع نية المستخدم، مع إمكانية مراجعة قراراتهم عند ظهور حالات غير متوقعة.
ب. مواءمة القيم (Value Alignment) كأساس للمسؤولية
مفهوم مواءمة القيم يمثل أحد أهم الأساليب المستخدمة لضمان تصرف وكلاء الذكاء الاصطناعي وفقًا للقيم الإنسانية. وتعتمد الشركات المطورة للنماذج اللغوية على ثلاثة مبادئ رئيسية هي: المساعدة (Helpfulness)، والصدق (Honesty)، وعدم الإضرار (Harmlessness)، وذلك بهدف تقليل احتمالية إساءة استخدام الأنظمة أو تسببها في أضرار مباشرة للمستخدمين أو المجتمع. [13]
إلا أن هذه المبادئ، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها عند انتقال الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة الوكلاء القادرين على تنفيذ الأعمال بصورة مستقلة، إذ إن تنفيذ الأفعال القانونية أو التجارية يتطلب معايير إضافية تتعلق بالمسؤولية والولاء والإفصاح، وهي عناصر لم تحظ بالاهتمام نفسه داخل نماذج المواءمة الحالية.
ج. واجب الولاء (Duty of Loyalty)
تعد فكرة واجب الولاء من أهم الإضافات التي نقدمها في هذا المقال، إذ ترى أن وكيل الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يعمل لتحقيق مصلحة المستخدم وحده، وألا يسمح لمصالح الشركة المطورة أو المنصة المشغلة بالتأثير في قراراته.
ونضرب مثالًا بوكيل مكلف بشراء منتج بأقل من 500 دولار، لكنه يختار متجرًا أعلى سعرًا لأن الشركة المطورة لديها شراكة تجارية مع هذا المتجر، رغم وجود خيار أقل تكلفة للمستخدم. ففي القانون، يُعد هذا السلوك إخلالًا بواجب الولاء، لأن الوكيل فضّل مصلحة طرف آخر على مصلحة الأصيل. أما في النظم الحالية، فقد يحدث هذا الانحياز نتيجة تعليمات داخلية أو سياسات المنصة دون علم المستخدم.
إدراج مبدأ الولاء ضمن تصميم وكلاء الذكاء الاصطناعي من شأنه تعزيز الثقة في هذه الأنظمة، والحد من تضارب المصالح الذي قد ينشأ بين المستخدم، والشركة المطورة، والجهات التجارية الأخرى.
د. الإفصاح وحماية الأطراف الثالثة (Disclosure and Third Parties)
لا تقتصر العلاقة القانونية في الوكالة على المستخدم والوكيل فقط، بل تمتد أيضًا إلى الأطراف الثالثة التي تتعامل مع الوكيل، مثل البائعين أو مقدمي الخدمات. ولذلك على وكيل الذكاء الاصطناعي أن يفصح بوضوح عن هويته والجهة التي يمثلها، حتى يتمكن الطرف الآخر من تقييم المعاملة واتخاذ قراره على أساس صحيح.
كما ان غياب الإفصاح قد يؤدي إلى فقدان الثقة في المعاملات الرقمية، كما قد يثير إشكالات تتعلق بتحديد المسؤولية القانونية إذا تسبب الوكيل في ضرر أو أبرم معاملة تجاوزت حدود سلطته. ولهذا ترى أن مبدأ الإفصاح ينبغي أن يصبح جزءًا أساسيًا من تصميم وكلاء الذكاء الاصطناعي، تمامًا كما هو الحال في قواعد الوكالة التقليدية. [14]
ه. المسؤولية القانونية وأفضل الممارسات المستقبلية
قواعد مواءمة القيم الحالية تحتاج إلى التطوير بحيث لا تقتصر على مبادئ المساعدة والصدق وعدم الإضرار، وإنما تمتد لتشمل الولاء للمستخدم، والإفصاح، واحترام حدود السلطة، وتحديد المسؤولية القانونية بوضوح. كما تدعو إلى الاستفادة من مبادئ قانون الوكالة بوصفها إطارًا يمكن أن يرشد مطوري وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى تصميم أنظمة أكثر موثوقية، مع الاعتماد على أفضل الممارسات والمعايير المهنية إلى جانب التشريعات الرسمية، بما يحقق التوازن بين الابتكار وحماية المستخدمين والأطراف الأخرى.
الخاتمة
يمثل وكلاء الذكاء الاصطناعي تطورًا نوعيًا في أنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ انتقلت هذه الأنظمة من تنفيذ الأوامر المحددة إلى القدرة على الإدراك، والتخطيط، والاستدلال، واستخدام الأدوات، والتفاعل مع البيئات المختلفة بصورة مستقلة نسبيًا. ويعكس هذا التحول تغيرًا في طبيعة الأنظمة الذكية، فلم يعد الهدف يقتصر على إنتاج استجابة أو تنبؤ، وإنما أصبح يتمثل في تنفيذ مهام متكاملة تتطلب اتخاذ قرارات متتابعة والتكيف مع المتغيرات أثناء التنفيذ.
وتبين أن كفاءة وكلاء الذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة التكامل بين مكوناتهم الأساسية، بما يشمل الذاكرة، والتخطيط، والاستدلال، والإدراك، وتمثيل المعرفة، والتواصل، واستخدام الأدوات، حيث يؤدي كل عنصر دورًا مكملًا للآخر في بناء نظام قادر على التعامل مع المشكلات المعقدة والمهام متعددة المراحل. كما أن هذا التكامل يفسر اتساع نطاق استخدام هذه الوكلاء في مجالات متنوعة، مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والأعمال، والبحث العلمي، والخدمات الحكومية، لما توفره من تحسين في الكفاءة، ودعم لعمليات اتخاذ القرار، وأتمتة للعديد من الأنشطة المعرفية.
وفي المقابل، يفرض هذا التطور تحديات قانونية وتنظيمية تتطلب إعادة النظر في الأطر التقليدية للمسؤولية والوكالة، خاصة مع تزايد قدرة هذه الأنظمة على تنفيذ إجراءات قد تترتب عليها آثار قانونية أو مالية أو إدارية. ومن ثم، فإن بناء وكلاء ذكاء اصطناعي أكثر موثوقية لا يعتمد على التطور التقني وحده، وإنما يتطلب أيضًا تصميم أطر تنظيمية تضمن وضوح حدود السلطة، ومواءمة القيم، والشفافية، والإفصاح، وتحديد المسؤولية القانونية، بما يسهم في تحقيق الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه الأنظمة وتعزيز الثقة في توظيفها مستقبلًا.
المراجع:
- Peter Stone and Manuela Veloso. Multiagent systems: A survey from a machine learning perspective. Autonomous Robots, 8(3):345–383, 2000.; Alexey et al. Dosovitskiy. An image is worth 16×16 words: Transformers for image recognition at scale. In ICLR, 2021.; Edward A. Feigenbaum and Pamela McCorduck. The Fifth Generation: Artificial Intelligence and Japan’s Computer Challenge to the World. Addison-Wesley, 1983.
- Malik Ghallab, Dana Nau, and Paolo Traverso. Automated Planning: Theory and Practice. Elsevier, 2004.; Leslie Pack Kaelbling, Michael L Littman, and Andrew W Moore. Reinforcement learning: A survey. Journal of artificial intelligence research, 4:237–285, 1996.
- Richard S Sutton and Andrew G Barto. Reinforcement Learning: An Introduction. MIT press, 2018.; David et al. Silver. Mastering the game of go with deep neural networks and tree search. Nature, 529:484–489, 2016. ; David et al. Silver. Mastering the game of go without human knowledge. Nature, 550:354–359, 2017.
- Jacob et al. Devlin. Bert: Pre-training deep bidirectional transformers for language understanding. In NAACL-HLT, pages 4171–4186, 2019.; Alex Krizhevsky, Ilya Sutskever, and Geoffrey E Hinton. Imagenet classification with deep convolutional neural networks. Communications of the ACM, 60(6):84–90, 2017.; Kaiming He, Xiangyu Zhang, Shaoqing Ren, and Jian Sun. Deep residual learning for image recognition. In CVPR, pages 770–778, 2016.
- Tom B et al. Brown. Language models are few-shot learners. NeurIPS, 33:1877–1901, 2020.
- Brenden M Lake, Tomer D Ullman, Joshua B Tenenbaum, and Samuel J Gershman. Building machines that learn and think like people. Behavioral and Brain Sciences, 40:e253, 2017.
- Gary Marcus. The next decade in ai: Four steps towards robust artificial intelligence. Medium, 2020.
- Jingqun Tang, Chunhui Lin, Zhen Zhao, Shu Wei, Binghong Wu, Qi Liu, Hao Feng, Yang Li, Siqi Wang, Lei Liao, et al. Textsquare: Scaling up text-centric visual instruction tuning. arXiv preprint arXiv:2404.12803, 2024.
- Brian Paden, Michal C´ap, Sze Zheng Yong, Denis Yershov, and Emilio Frazzoli. A survey of motion ˇ planning and control techniques for self-driving urban vehicles. IEEE Transactions on Intelligent Vehicles, 1(1):33–55, 2016.
- Philip J Kitson, Guillaume Marie, John S Fossey, Paulo Jesus, and Leroy Cronin. Configurable robotic platform for automated synthesis. Nature, 549:70–75, 2017.
- Yagoda, M. 2024. Airline held liable for its chatbot giving passenger bad advice – what this means for travellers. BBC. Available at: https://www.bbc.com/travel/article/20240222- air-canada-chatbot-misinformation-what-travellers-shouldknow.
- Ziegler, D. M.; Stiennon, N.; Wu, J.; Brown, T. B.; Radford, A.; Amodei, D.; Christiano, P.; and Irving, G. 2019. FineTuning Language Models from Human Preferences. ArXiv, abs/1909.08593.
- Zittrain, J. L. 2024. We Need to Control AI Agents Now. The Atlantic. Available at: https://www.theatlantic.com/ technology/archive/2024/07/ai-agents-safety-risks/678864/.
- Chopra, S.; and White, L. F. 2011. A Legal Theory for Autonomous Artificial Agents.; University of Michigan Press. DeMott, D. 2007. Disloyal Agents. Alabama Law Review, 58: 1049–1067.



No comment