لم يعد خطر «هلوسة» الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على المذكرات التي يقدمها المحامون إلى المحاكم؛ فالمسألة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تتسلل معلومات أو اقتباسات غير صحيحة إلى قرار قضائي نفسه. عندها لا يعود الخطأ مجرد مشكلة في دقة المحتوى، بل يتحول إلى مسألة تمس سلامة الحكم، وثقة المتقاضين، وقدرة القرار على الصمود أمام المراجعة والاستئناف.
وتكشف قضية منظورة أمام محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الخامسة عن هذا النوع الجديد من المخاطر. فقد تضمن أمر قضائي مؤقت أصدره قاضٍ فيدرالي في ولاية ميسيسيبي اقتباسات غير صحيحة من قانون الولاية، وأسماء أطراف لم تكن جزءًا من الدعوى، وتصريحات منسوبة إلى إقرارات لم تكن موجودة. وبعد تصحيح الأمر، أوضح القاضي أن الأخطاء نتجت عن استخدام أحد كتبة المحكمة أداة Perplexity للذكاء الاصطناعي في إعداد مسودة القرار.
المفارقة القانونية هنا أن المحامي قد يجد نفسه أمام حكم يصب في مصلحة موكله، لكنه يستند جزئيًا إلى معلومات مختلقة. ومن ثم، فإن الاستفادة من الخطأ ليست بالضرورة مكسبًا مستقرًا؛ إذ يمكن اكتشافه في مرحلة الاستئناف، وقد يؤدي إلى الطعن في القرار أو إعادة النظر فيه، بل وقد يؤثر في مصداقية الموقف الذي يدافع عنه المحامي.
وهذا يطرح تحولًا مهمًا في مسؤولية المحامي تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي في النظام القضائي. فبينما أصبح من المعتاد الحديث عن ضرورة مراجعة المحامي للمصادر التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، تظهر هنا مسؤولية مختلفة: ماذا يفعل المحامي عندما يكتشف أن المحكمة نفسها قد وقعت في الخطأ؟ ويرى عدد من المحامين الذين تناولوا القضية أن المصلحة الحقيقية للموكل تقتضي لفت نظر المحكمة إلى الخطأ بدل البناء عليه، لأن الحكم المعيب قد لا يصمد عندما يخضع للتدقيق.
وتكشف القضية أيضًا عن أن المشكلة ليست في «هلوسة» الذكاء الاصطناعي وحدها، وإنما في غياب طبقة التحقق البشري. فالذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج نص يبدو قانونيًا ومقنعًا، لكنه لا يضمن أن النص يعكس قانونًا قائمًا أو قضية حقيقية أو وقائع موجودة في ملف الدعوى. ولذلك، فإن استخدامه في إعداد الأحكام يرفع مستوى الحاجة إلى المراجعة البشرية بدل أن يلغيها.
لكن التداعيات قد تتجاوز تصحيح الاقتباسات الخاطئة. فإذا تسرب الخطأ إلى قرار لاحق أو أمر قضائي نهائي، يصبح السؤال متعلقًا بسلامة العملية القضائية نفسها: هل تأثر الحكم النهائي بمنطق بُني أصلًا على معلومات غير موجودة؟ وهل يكفي تصحيح النص، أم أن الضرر قد امتد إلى القرار الذي صدر بناءً عليه؟
ومن هنا تأتي أهمية ما ستفعله محكمة الاستئناف في هذه القضية. فالاختبار الحقيقي ليس فقط كيف تُصحح المحكمة خطأً أنشأه الذكاء الاصطناعي، بل كيف تضمن أن هذا الخطأ لم يؤثر في النتيجة القضائية نفسها. كما أن طريقة التعامل مع الخطأ قد تصبح بحد ذاتها جزءًا من المسألة؛ فالتعامل الشفاف والسريع مع الخطأ يختلف قانونيًا ومؤسسيًا عن تجاهله أو التقليل من أثره.
وبينما يركز النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي في المحاكم على المحامين الذين يقدمون مراجع وهمية، تفتح هذه القضية جبهة جديدة: ماذا يحدث عندما تصبح المحكمة نفسها مستخدمًا للذكاء الاصطناعي؟ عند هذه النقطة، لا تكون القضية مجرد دقة أداة تقنية، وإنما حدود الاعتماد عليها، ومستوى الرقابة البشرية المطلوبة، وكيفية حماية حق المتقاضين في الحصول على حكم قائم على القانون والوقائع الفعلية.
#قانون_وتقنية #قانون #محاماة



No comment