تشهد المحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية حالة من الارتباك القانوني المتصاعد بسبب استخدام محادثات الذكاء الاصطناعي كأدلة محتملة في القضايا. فمع الانتشار الواسع لأدوات مثل ChatGPT وGemini، لم تعد هذه المحادثات مجرد وسيلة مساعدة، بل تحوّلت إلى عنصر قد يُستخدم داخل قاعات المحاكم أحيانًا ضد أصحابها أنفسهم.
الشرارة جاءت من حكم قضائي لافت في نيويورك، حيث قرر القاضي الفيدرالي Jed Rakoff أن محادثات أحد التنفيذيين السابقين مع أدوات الذكاء الاصطناعي لا تتمتع بأي حماية قانونية، ويمكن تقديمها كأدلة في المحاكمة. الحكم لم يكتفِ برفض فكرة سريّة هذه المحادثات، بل حسم الجدل بوضوح حين أكد أنه لا توجد علاقة قانونية مماثلة لعلاقة المحامي والموكل بين المستخدم ومنصات الذكاء الاصطناعي.
هذه السابقة فتحت الباب أمام تساؤلات أعمق حول طبيعة الخصوصية في العصر الرقمي. فالكثير من المستخدمين يتعاملون مع هذه الأدوات باعتبارها مساحة “آمنة” أو خاصة، بينما الواقع التقني يشير إلى أن هذه المحادثات تُخزَّن داخل أنظمة الشركات المطوّرة، وقد تُستخدم لاحقًا لأغراض متعددة، من بينها التدريب أو حتى الامتثال لأوامر قضائية.
في المقابل، لم يكن الموقف القضائي موحدًا تمامًا. ففي ولاية ميشيغان، رفض قاضٍ اعتبار محادثات إحدى السيدات مع ChatGPT كدليل يمكن الاستناد إليه، معتبرًا أنها مجرد أداة ساعدتها في إعداد قضيتها، وليست شهادة أو دليلًا قانونيًا قائمًا بذاته. هذا التباين في الأحكام يعكس بوضوح حالة “الفراغ التشريعي” التي تحيط باستخدام الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة القضائية.
وسط هذا المشهد المتداخل، بدأت شركات المحاماة في التحرك بحذر. بعض المكاتب، مثل Sherr Tremonte LLP، وجّهت تحذيرات صريحة لعملائها من مشاركة معلومات حساسة أو مراسلات قانونية مع أدوات الذكاء الاصطناعي، خاصة تلك التي قد تكون مشمولة بامتياز السرية بين المحامي والعميل. فبمجرد إدخال هذه البيانات في منصة خارجية، قد تفقد هذه الحماية القانونية بشكل كامل.
الأزمة لا تتوقف عند حدود الخصوصية، بل تمتد إلى جوهر الممارسة القانونية نفسها. فمع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إعداد المذكرات وتحليل القضايا، ظهرت حالات من الأخطاء القانونية، بل وحتى “محامين افتراضيين” يعتمد عليهم بعض الأطراف لبناء قضاياهم. وهو ما يضع القضاء أمام تحدٍ حقيقي: كيف يمكن ضبط استخدام أداة لا تزال حدودها القانونية غير واضحة؟
#تحديثات_قانونية #قانون #محاماة



No comment